محمد بن علي الشوكاني
5088
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وعلى فرض أنه يقول بذلك قائل فليس بحجة علينا ، وبعد انعقاد الإجماع لا ظهور لمخالف . قال : الدليل الثامن : ثبت تواترا أن رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أخرج بني النضير ( 1 ) من ديارهم لما في ذلك لمصلحة للمسلمين ، وقد قرن الله الخروج من الديار بقتل الأنفس ، فإذا كانت مراعاة المصلحة مجوزة للإجبار لهم بمثل هذا الأمر العظيم ، فكيف لا يجوز إجبارهم بما هو دونه بمراحل في إضرار المجبرين وفوقه بدرجات في الصلاح ! أقول : لا قياس : فإن قصة بني النضير في صدر الإسلام بعد قصة بدر التي عاتب الله فيها نبيه في الفدى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } ( 2 ) الآية فقتل بني قريظ ، وإجلاء بني النضير عوضا عن القتل ، وقد كتب الله عليهم ذلك فقال : { وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ( 3 ) يعني أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم ، وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم ، فلولا أنه قد كتب الجلاء ، واقتضته حكمته ، ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت لعذبهم في الدنيا بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة ، هذا كلام [ 14 ] جار الله ( 4 ) فهل كتب الله على هؤلاء اليهود إخراج المزابل ، والتقاط الأزبال على لسان نبيه بصريح سنته أو كتابه ؟ فالقياس على قضية بني النضير خطر عظيم إذ هم في تلك الحال محاربون ، قد كتب الله عليهم الجلاء ، ولا يقبل منهم إلا الإسلام ، فإن فعلوا ؛ نجوا .
--> ( 1 ) تقدم ذكره . ( 2 ) [ الأنفال : 67 ] . ( 3 ) [ الحشر : 3 - 4 ] . ( 4 ) أي الزمخشري في " الكشاف " ( 6 / 75 ) .